مهارة معلم الابتدائي في التخطيط للتدريس : مشكلات واقعية وحلول من قلب الفصل

مهارة معلم الابتدائي في التخطيط للتدريس ليس له علاقة بجمال الخط ولا بطول الصفحات. فالتخطيط الجيد هو ذلك الشعور الذي ينتابك بعد حصة ناجحة، حيث ترى وجوه التلاميذ مشرقة، وتسمع أصواتهم تردد "هيا نكمل يا أستاذ".
هذا ما سنركز عليه اليوم. إذ لن نقدم درساً نظرياً في التخطيط، بل سنقدم كل ما يتعلق بهذا الموضوع بطريقة أكثر واقعية وارتباطا  بالميدان.

مفهوم التخطيط للتدريس: ليس ما تعتقده

مهارة أستاذ تعليم الابتدائي في التخطيط للتدريس  : مشكلات واقعية وحلول من قلب الفصل
مهارة معلم الابتدائي في التخطيط للتدريس  : مشكلات واقعية وحلول من قلب الفصل


ليس التخطيط  أن تحفظ ما ستقوله، بل أن تفكر فيمن سيسمعك. فهو عملية بناء جسر بين ما تملكه من معرفة وما يحتاجه تلميذ صغير لا تتجاوز قامته سبورة الفصل.
في الصباح الباكر، عندما تدخل القسم، وأنت تحمل حقيبتك المليئة بالأوراق، هل فكرت يوماً أنك أشبه بقبطان سفينة؟
فالتخطيط هو خريطة الطريق التي تمنع سفينتك من الغرق. وبدونه، فأنت تبحر في بحر من المعلومات، وقد تجدف بقوة، لكنك ستصل إلى شاطئ غير الذي كنت تقصده.
كنت أعتقد في البداية أن التخطيط يقيد حريتي، ويحولني إلى آلة تتحرك وفق جدول صارم. لكن مع التجربة اكتشفت عكس ذلك تماماً. فالتخطيط هو الذي يمنحني الحرية الحقيقية، حرية الإبداع ضمن إطار آمن. فعندما أعرف بالضبط أين أنا وإلى أين ذاهب، يمكنني أن أستمتع بالرحلة، وأتوقف عند محطات غير متوقعة، وأكتشف جبالاً لم تكن على الخريطة.

مهارة معلم الابتدائي في التخطيط للتدريس

تحتاج في مرحلة التعليم الابتدائي أن تخطط بطريقة مختلفة عما كنت تتصور في البداية. فتلميذ السنة الأولى لا يجيد القراءة الجيدة والمسترسلة، فكيف ستشرح له؟ أو تلميذ السنة الرابعة الذي يمل من الجلوس، كيف ستجعله يتحرك ويتعلم في نفس الوقت؟

ابدأ من حيث يقف التلميذ

في حصة الرياضيات مثلاً، إذا أردت تعليم الجمع مع الاحتفاظ، لا تبدأ مباشرة بالمسائل والوضعيات المختلفة. ابدأ بسؤال بسيط: "من منكم ذهب مع أمه للسوق؟ ماذا تشتري؟" ستجد الأيادي ترتفع، والأصوات تتعالى. ثم قل: "إذا اشترت أمك تفاحتين وثلاث تفاحات، كم تفاحة صارت لديها؟" هكذا تكون قد بنيت درسك على أرض صلبة من خبراتهم اليومية.

اختر وسائل تناسب عالمهم

مرة أردت تعليم حرف الخاء. التلاميذ لا يحفظونه. فكرت قليلاً، ثم أتيت بصورة خروف كبير. سألتهم: "ما هذا؟" قالوا: "خروف". قلت: "أحسنتم، أول حرف في خروف هو الخاء". بعدها بدقائق، كل طفل في القسم يستطيع نطق الحرف وكتابته. صورة بسيطة صنعت الفرق.

وزع وقتك بعقلانية

لديك خمسة وأربعون دقيقة فقط وفي بعض الأحيان ثلاثون دقيقة. وفي هذه المدة القصيرة، يجب أن تجلب انتباه التلاميذ للدرس، وتقدم لهم المعلومة، وتدعهم يجربون بأنفسهم، ثم تتأكد من فهمهم. وعليه فلا يمكن أن تفعل كل هذا دون أن توزع وقتك بحكمة.
اعتمد قاعدة بسيطة:
- البداية: احكي قصة قصيرة أو اطرح سؤالاً مثيراً.
- الوسط: اشرح بمشاركة التلاميذ، لكن لا تطيل حتى لا يملوا.
- النشاط: أتركهم يجربون بأنفسهم.
- النهاية: اسأل والتلاميذ يجيبون، وطبعا شجعهم بالتصفيق لمن تعلم شيئاً جديداً.

توقع ما سيحدث قبل حدوثه

الأطفال عفويين، فهم يفاجئونك دائماً. ففي حصة عن الفضاء، سألني أحدهم: "أستاذ، إذا وصل رائد الفضاء إلى القمر، كيف يرجع؟ هل هناك محطة بنزين في الفضاء؟". ضحكت، لكنني كنت مستعداً. لأنني توقعت هذا النوع من الأسئلة، أحضرت فيديو قصيراً يشرح عودة المركبات الفضائية. لو لم أكن مستعداً، لكنت تلعثمت وضاعت هيبتي.

أهمية التخطيط للتدريس  Teaching planning

مهارة معلم الابتدائي في التخطيط للتدريس  : مشكلات واقعية وحلول من قلب الفصل
مهارة أستاذ تعليم ابتدائي في التخطيط للتدريس: مشكلات واقعية وحلول من قلب الفصل

هل تتعبك فكرة التخطيط؟ وتفكر في الوقت الذي ستقضيه وأنت جالس تكتب؟ دعني أخبرك أن الوقت الذي تستثمره في التخطيط يعود إليك أضعافاً مضاعفة.

من أجل راحتك أنت

عندما تخطط للدرس الذي ستقدمه، فستكون في الفصل كالملك. حيث ستعرف متى ستتكلم، ومتى ستسكت، ومتى تنتقل من نشاط لآخر. كما تكون هادئ البال، مرتاح الأعصاب. وهذه الراحة تنتقل للتلاميذ، فيصبح القسم هادئاً ومنضبطاً دون صراخ.

من أجل تلاميذك

في الابتدائي، التلاميذ كالنباتات الصغيرة، تحتاج إلى بيئة مستقرة لتنمو. فعندما يعتادون على روتين معين، أو يعرفون أن كل حصة لها بداية وأنشطة ونهاية، يشعرون بالأمان ويصبحون أكثر قدرة على التعلم.

يراعي التخطيط الجيد الفروق الفردية بين التلاميذ، فهم ليسوا نسخاً مكررة. ففي نفس القسم، هناك علي الذي يفهم بسرعة، وهناك سارة التي تحتاج إلى وقت، وهناك كريم الذي لا يركز. وعليه فإن الخطة الجيدة تعطي كل واحد منهم ما يناسبه. 

من أجل احترام المنهاج

كم مرة وصلنا إلى نهاية الفصل الدراسي واكتشفنا أننا لم نكمل المنهاج؟ كلنا مررنا بهذا الموقف. والسبب غالباً هو سوء التخطيط. فبعض الدروس أخذت وقتاً أكثر من اللازم، وبعضها مررنا عليه مرور الكرام. ولهذا فلو خططنا جيداً منذ البداية، لوزعنا المادة بشكل متوازن على مدار العام، ووفرنا على أنفسنا عناء التسريع في آخر الفصل.

مستويات التخطيط للتدريس

للتخطيط مراحل، فهو يشبه بناء بيت. فلا يمكن أن تبدأ بدهان الجدران قبل أن تضع الأساس.

الخطة السنوية

في بداية كل عام دراسي، أحب أن أجلس في مكان هادئ، وأفتح الكتاب المدرسي، وأتصفحه كاملاً. لا أقرأ التفاصيل، بل أنظر إلى الصورة الكبيرة. كم وحدة في الكتاب؟ كم درساً في كل وحدة؟ متى الامتحانات؟ متى العطل؟
أرسم لنفسي خريطة بسيطة على ورقة. ففي شهر  أكتوبر ننهي  أكتوبر، وفي نوفمبر ننهي المقطع الثاني، وهكذا. فهذه الخريطة تبقى في ذهني طوال العام، حيث تذكرني دائماً بأين أنا وإلى أين أذهب.

الخطة الأسبوعية

كل يوم جمعة بعد انتهاء الدوام، وأنا أشرب قهوتي في قاعة الأساتذة، أخرج مفكرتي الصغيرة. ثم أنظر إلى ما تبقى من المنهاج، وأخطط للأسبوع القادم. فيوم الأحد ننهي درس كذا، ويوم الإثنين نبدأ بدرس كذا، ويوم الثلاثاء نطبق عليه.
هذه العادة البسيطة وفرت عليّ الكثير. فلم أعد أنسى إحضار وسيلة، ولا أتفاجأ بامتحان غير متوقع. فكل شيء في مكانه.

الخطة اليومية

هذا هو قلب الموضوع. فمساء كل يوم، قبل النوم، أفكر في حصة الغد. وليس بالضرورة أن أكتب صفحة كاملة، بل بضعة أسطر تكفي:
  • كيف أبدأ لجذب الانتباه؟
  • ما هي النقاط الثلاث الرئيسية التي سأشرحها؟
  • ما النشاط الذي سيطبق فيه التلاميذ ما تعلموه؟
  • كيف أعرف أنهم فهموا؟
هذه الأسئلة الأربعة، إذا أجبت عليها كل مساء، فستجد أن حصصك أصبحت أكثر متعة ونجاحاً.

أسئلة تتبادر إلى ذهنك

  • أنا معلم جديد، كيف أتعلم التخطيط؟*
ابدأ بتقليد خطط المعلمين القدامى، اطلب منهم نماذج، انظر كيف يخططون. ثم حاول أن تعدل هذه الخطط لتناسب أسلوبك وتلاميذك. ومع الوقت ستكتسب ثقتك بنفسك.
  • ماذا لو خططت وتغيرت الظروف؟
الخطة ليست قرآناً لا يتغير. فقد يمرض التلميذ، أو قد يكون الجو حاراً والتلاميذ مرهقين، قد يأتي المدير ويلقي كلمة تطول. فلا بأس، عدّل خطتك بمرونة. ;المهم أن تعود في اليوم التالي لتكمل ما بدأته.
  • أشعر أن التخطيط يقتل إبداعي، ما رأيك؟
أفهم شعورك، شعرت به يوماً. لكن صدقني، الإبداع الحقيقي ينمو داخل إطار. فالشاعر لا يبدع دون قافية، والرسام لا يبدع دون لوحة. التخطيط هو إطارك الآمن لتبدع داخله.
  • كيف أخطط للصفوف الأولى (الأول والثاني ابتدائي)؟
هؤلاء أطفال صغار، يحتاجون إلى التخطيط بطريقة خاصة. وعليه ركز على الصور والألعاب والحركة. كذلك خطط لأنشطة قصيرة، لا تزيد كل واحدة عن عشر دقائق. وغير بين الجلوس والوقوف، وبين الاستماع والتلوين واللعب.
  • ماذا عن التخطيط للتربية البدنية؟
هذه الدروس تحتاج إلى تخطيط دقيق جداً. في البداية فكر في تنظيم الفضاء، كيف ستوزع التلاميذ في الملعب؟ ما هي أدوات السلامة التي تحتاجها؟ كيف ستراقب الجميع في نفس الوقت؟ دقيقة واحدة من التخطيط توفر لك عشر دقائق من الفوضى.
  • كيف أعرف أن خطتي ناجحة بعد تنفيذها؟
اسأل نفسك: هل حققت ما أردت؟ كيف كانت نظرة التلاميذ؟ هل شاركوا بحماس؟ هل طرحت أسئلة ذكية في النهاية؟ كل هذه علامات على نجاح خطتك. والأهم من ذلك، اسأل تلاميذك مباشرة: "هل استمتعتم اليوم؟ ماذا تعلمتم؟".مهارة معلم الابتدائي في التخطيط للتدريس تتطلب جهدا وصبرا وعزيمة، فأنت لست مجرد معلم تلقن الدروس. بل تبني جيلاً. فأنت تخيط ثوباً من المعرفة يلبسه صغارك. كما تشق طريقاً في الجبل يسلكه تلاميذك.
قد لا يقدر أحد تعبك، أوقد لا يرى أحد جهدك، لكنك تعلم اللحظة التي يشرق فيها وجه تلميذ بعد أن فهم شيئاً صعباً. كما تعلم تلك النظرة التي يرمقك بها عندما تروي قصة جميلة. وأيضا ستكون سعيدا بذلك الدعاء الذي يرفعونه لك في صلاتهم. هذا هو أجرك. وهذه هي رسالتك.
شاركني تجربتك. كيف تخطط لدروسك؟ ما هي أصعب لحظة تمر بها في التخطيط؟ اكتب لي في التعليقات، فأنا أقرأ كل كلمة، وأتعلم منكم كما تتعلمون مني.

مواضيع ذات الصلة

  • مهارات التخطيط للتدريس
  • أهمية التخطيط للتدريس PDF
  • مهارات التخطيط للتدريس PPT
  • مهارة التخطيط PDF
  • مستويات التخطيط للتدريس
berrima ali
بواسطة : berrima ali
الاستاذ علي بريمة ، العمر 52 سنة من الجزائر متحصل على دكتوراه في علم الاجتماع واستاذ مميز في التعليم الابتدائي
تعليقات